القاضي عبد الجبار الهمذاني

86

المغني في أبواب التوحيد والعدل

تلك الأمراض والمصائب ألطاف في جميع ما يكون منهم في العام كله ، وهذه الطريقة مبنية على أن المرض الواقع يزيد لا بدّ من كونه لطفا له ، وإلا فلقائل أن يقول : إنما جاز ما ذكرتم لأنه يكون لطفا لغيره ، ولا يحصل متقدّما للفعل الواقع من ذلك الغير إلا بوقت واحد ، فلا يمكن بيان خلاف ما يدّعيه . وقد استدل رحمه اللّه على ذلك أيضا بأن الصلاة قد ثبت أنها لطف عن الفحشاء والمنكر ، وصح أن جميعها بهذه الصفة دون آخر جزء منها ، والمعلوم أنها « 1 » تتقدّم الحال التي تنهى فيها عن الفحشاء والمنكر . وقد صح أيضا أن في الفحشاء والمنكر ما لا يكون كذلك إلا / بأن يكون جملة من الفعل كالأحوال وكثير من الأفعال والصلاة . فهي لطف في آخر ذلك ، كما أنها لطف ( في أوّله ) وإن تقدّمت بأوقات . فإن قال : إنما يمنع مما ذكرته في اللطف إذا كان من فعله تعالى لا إذا كان من فعل العباد . قيل له : قد بينا أن الحال واحدة في هذا الباب ، لأن الوجه الّذي عليه يكون الفعل لطفا لا يختلف باختلاف الفاعلين ، لأنه يرجع إلى حاله وتعلقه بما هو لطف فيه ، لا إلى حال الفاعل . فإن قال : متى قلتم في اللطف إنه يتقدّم بأوقات ، فيجب بعد وجوده أن لا يحسن من العبد الرغبة إلى اللّه تعالى في الألطاف ، وأن لا يحصل « 2 » محتاجا إليه تعالى في المعونة ، وذلك بخلاف السمع . قيل له : إن العبد لا يحصل غير محتاج إلى اللّه في شيء من أوقاته على ما بيناه في باب الاستطاعة ، ولا يجب أن لا تحسن الرغبة على ما قلناه « 3 » في اللطف ؛ لأن

--> ( 1 ) في الأصل : « بأنه » . ( 2 ) أي العبد . ( 3 ) في الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره : ألا تحسن الرغبة في اللطف على ما قلناه .